|
|
بسم الله الرحمن الرحيم |
|
|
|
موقــع الحـــوزة |
|
|
شؤون سياسية (11) مستقبل العراق بين مرجعيتي النجف ونيويورك عبد الحسن امين / كاتب لبناني اخذ البعض على مرجعية السيستاني حذرها و سيرها بتؤدة في بلورة مواقفها من التطورات التي تحصل في العراق . في حين كان هاجس المرجعية الاول ان ترتب البيت الداخلي للمرجعية نفسها . ذلك ان سقوط النظام لم يترافق مع انقشاع مباشر للرؤية في العراق اذ اختلط مع حادث انزياح النظام غيوم و تشابكات ولدها مقتل الخوئي وما تبعها و رافقها من كلام تصعيدي ضد المرجعية في النجف . و هي انبعاثات ما لبثت ان هدأت و تراجعت درجة غليانها و عادت الى احجامها الطبيعية . و الفضل في ذلك يعود الى الموقف الهادئ الذي اعتمدنه مرجعية السيستاني لذلك تميزت بياناتها و مواقفها الاولى بالتركيز على امور عدة : الاول واد الفتنة في البيت الشيعي ، اذا صح التعبير و كانت ، وما زالت عوامل ذلك حاضرة و اصحاب المصلحة فيه كثيرون و ليس من نافل القول ان يرى البعض ان الافق العراقي قد لا يكون مفتوحا على حرب طائفية سنية – شيعية لاسباب موضوعية و ذاتية كثيرة ، بل ان هناك احتمالات لانفجار نوعين من الاقتتال الداخلي الاول : شيعي – شيعي و الثاني كردي – كردي . الثاني الوقوف في وجه دعوات الثأر و الانتقام ضد رموز النظام السابق و اعوانهم و المتعاونين لذلك تم التركيز منذ البداية على ضرورة اعمال القانون و القضاء في فض نزاعات المرحلة الماضية و معاقبة من تدينه المحاكم في ظل قضاء عادل . الثالث عدم القبول بأي دور لسلطة الاحتلال في رسم مستقبل العراق سواء من حيث وضع الدستور الدائم للبلاد ام من حيث الاشراف على الانتخابات العامة . و رأت مرجعية السيستاني ضرورة ان تلعب الامم المتحدة دورا فاعلا في هذا المجال كبديل للدور الامريكي و كعامل مساعد على شرعنة اجراءات المرحلة الانتقالية . و تمكنت المرجعية ، على حذرها ، من ان تفرض على الادارة المدنية الامريكية ان تتراجع عن خططها في اكثر من مجال : اول هذه التراجعات كان في الايام الاولى التي سبقت تشكيل مجلس الحكم . اذا كانت الادارة الامريكية تخطط لتشكيل مجلس استشاري عراقي يساعد الحاكم المدني بول برايمر من دون صلاحيات تشريعية او تنفيذية . و امام معارضة المرجعية جرى تعيين مجلس الحكم الانتقالي بصلاحيات كاملة و تحت ضغط مواقف المرجعية تم التراجع عن تشكيل لجنة غير منتخبة لصياغة الدستور و تقرر ان الدستور تضعه هيئة منتخبة انتخابا عاما حرا و مباشرا . و لتلبية رغبة المرجعية تم ارسال بعثة الامم المتحدة لدرس امكان اجراء انتخابات عامة قبل 30 حزيران . و في هذا السياق شكل مجيء بعثة الاخضر الابراهيمي انتصارا لرأي السيستاني و اقترحت الية و جدولا لاجراء الانتخابات قبل نهاية سنة 2004 او بداية سنة 2005 . لم تترك المرجعية الموقف عائما بل طالبت بما يأتي : بأن تتعهد الامم المتحدة بقرار صادر عن مجلس الامن انه لن يتم ، لأي سبب تأجيل الانتخابات عن الموعد المحدد . ألا يكون للحكومة الانتقالية سوى صلاحية محدودة تكون من خلالها قادرة على تصريف الاعمال الروتينية و تلبية شؤون الناس المعتادة مؤجلة كل قرارات اخرى الى الحكومة المنتخبة كي تتخذ الموقف المناسب منها . رفضت المرجعية الصراعات و معارك ، هامشية من مثل تلك المتصلة بالقانون 137 المتعلق بادارة الاحوال الشخصية امام محاكم مدنية ام امام محاكم شرعية تخص كل دين ، و مذهب معتبرة ان تعديل القوانين و الغائها في صلب صلاحيات الحكومة المنتخبة و ليس احد غيرها . بين موقف المرجعية و تقرير بعثة الامم المتحدة صدر قانون ادارة الدولة عن مجلس الحكم الانتقالي ، ما اعتبره المراقبون الاقليميون و الدوليون خطوة مهمة في اتجاه استعادة العراق سيادته و تشكيل حكومة منتخبة . و المساران عادا الى التداخل مع تفجيرات كربلاء و بغداد اثناء احياء ذكرى العاشر من المحرم للمرة الاولى منذ اكثر من عقدين . و من النتائج المباشرة لهذا الحدث : التأكيد على وجود سعي متواصل لاحداث فتنة بين المسلمين ، لكن ردود الفعل الاولية على هذه الجريمة تشير الى ان الحرب الطائفية ليست من خيارات الشعب العراقي وان هناك وعيا و حساسية عاليين في هذا المجال . تأجيل ولو لايام قليلة التوقيع و الاعلان الرسميين على القانون الانتقالي لادارة البلاد . و الاهم من هذا و ذاك ان تفجيرات كربلاء و بغداد تؤكد ان هناك جهة او جهات ذات قدرات كبيرة على ممارسة الارهاب بتقنيات متطورة ، وان هذه الجهة تلعب في الوقت الضائع علّها تتمكن من حرف القطار العراقي عن المسار الذي اسمه الخط بين المرجعية و الامم المتحدة . هذا الخط الذي ليس فقط تقدمت عليه الاحداث الايجابية بل كان الحصن الذي لجأ اليه العراقيون بفئاتهم السياسية و الاثنية و الدينية المختلفة لتجاوز الشدائد و المحن التي مروا بها منذ سقوط النظام السابق و هذا الخط هو الوحيد المرشح لحمل العملية الانتخابية الى مرساها الصحيح . و هذا لا يمنعنا من القول ان احد طرفي هذا الخط يتعرض اكثر فأكثر لضغوط كي يبدل من اسلوبه و ينخرط على الرد على التحديات بمثلها . و نجحت المرجعية حتى الان برد مثل هذه الضغوط متحصنة بأسلوب فقهي متجدد يفكك القضية الى عناصرها الاولى و يحكم على و لكل منها على حدة قبل ان يعيد تركيبها ليقدم الحكم العام . فالأمن مسؤولية قوات الاحتلال و كل تفجير و اعتداء على الأمن هي المسؤولة عنه بالمعنى الشرعي و العملي و القانوني و ليس بالمعنى الايديولوجي الذي يركز عليه الخطاب السياسي لبعض القوى في العالم العربي. و الانتخابات العامة المباشرة هي المصدر الوحيد لشرعية أي حكومة مقبلة في العراق . و هنا يحضر المعنى العملي الاجرائي الذي يلزم جميع فئات الشعب العراقي و ليس معناها و ابعادها الايمانية التي تحدد موقفا مترامي الاتجاهات حول مسألة شرعية الحكم و الحاكم و هو ما تأخذ به كل فئة وفق معاييرها الفقهية و الفكرية . و هذا ينطبق على الدينيين و اللادينيين و على المذهبيين و غير المذهبيين داخل الطرف الواحد و المتأمل في فقه ادارة الازمة عند المرجعية في النجف يجد انها تتصرف مرة من موقعها القيادي العام فهي مسؤولة عن الجميع دون تمييز كتلك المقولة التي كانت ترددها الخلافة الراشدة في عهد عمر بن الخطاب لو ان ماعزا سقطت في ارض السواد (العراق) فان عمر سيسأل عن ذلك ، و تتصرف مرة اخرى وفق مقولة لخليفة راشد اخر هو الامام علي بن ابي طالب الذي كان يقول انه سيسلم بالامر ما سلمت امور المسلمين حتى لو كان حقه بالذات لم يسلم . فهذه الذرى التي عرفت العدالة الاسلامية بعض وجوهها ايام عمر بن عبد العزيز الاموي و في العهد العباسي هي التي تقدم عناصر الحكم الاولى للمرجعية النجفية التي تستلهم ايضا تراث ائمة الزمان في التعامل مع سلاطينه . من هنا يمكن القول ان خروج العراق سالما من محنته مرتبط ببقائه على الخط الواحد بين المرجعية الاسلامية في النجف و المرجعية الاممية في نيويورك و جوهر الموقف ان حكمة الاعتدال وحدها التي تحقق للشعب العراقي اهدافه في اخراج المحتل و بناء دولة العدالة بين ابنائها بغض النظر عن العرق و اللون و الدين و المذهب . صحيفة الحياة / طبعة بيروت
|
|
|
|||