|
شؤون سياسية
(10)
حروب الآخرين فوق ارض
العراق
جوزف سماحة
وقف العراقيون اول امس وجها لوجه امام الحرب الاهلية. رأوا الهول. اقتربوا من
حافة الهاوية غير ان الحكمة انقذتهم. لقد كانت مطلوبة بالحام وكانت حاضرة بوفرة
الانفجارات تلك التي وقعت او التي امكن تجنبها عمليات ارهابية بامتياز. لكنها،
في ذهن المخططين لها، حلقة في سلسلة. غير ان الذي حصل فعليا هو ان العراقيي
ليسا في وضعية الموصل الفعال للكهرباء ما كان يفترض ان يكون حلقة في سلسلة توقف
عند حد المناسبة ذات حساسية خاصة واستثنائية تحتشد فيها طاقة رمزية هائلة تتيح
لاستعادة التاريخ ان تتحل فعلا في الواقع المباشر اذا ما جرى استفزازها. حصل
الاستفزاز ولكنه لم يطلق رد الفعل الالي المتوقع من جانب الذين اعتقدوا ان
الغاية باتت جافة الى حد ان عود ثقاب يشعلها كلها. ويمكن لمن يستعيد تجربة
الحروب الاهلية اللبنانية ان يدرك معنى ذلك حيث القصف لا يستعدعي قصفا مضادا،
والخطف خطفا مضادا والقتل على الهوية قتلا على الهوية مضادا صحيح ان تدخلا
سريعة صبت ماء باردا على وضع ملتهب ولكن الاصح هو ان كتلة شعبية عراقية هائلة
الحجم لم تحدد كتلة اخرى وبصفتها العدو الذي يتوجب الرد عليه والاتقصاص منه.
لقد امكن عفويا تبرئة المواطنين الاخرين غرباء وبات هؤلاء في قفص الاتهام سواء
لجهة التراخي في حفظ الامن او لجهة تدبير المجازر لقد مارس العراقيون باسلوب
لافت نظرية (حروب الاخرين فوق ارضنا). والترجمة الفعلية لذلك هي تصنيف (الفتنة)
باعتبارها العدو، وتنزيه المواطنين عنها واعتبار ان الرد يكون بعدم الانجرار
نحو رد. ان اللغة السياسية السائدة في العراق هي لغة انقسام والواضح ان السجلات
تقوم حول المخاصصة المذهبية والعرقية، وان المسافة ليست واحدة من الاحتلال،
والوضع السابق، والمستقبل المنظور. ولم يكن صعبا اكتشف حساسيات متباينة حتى في
لحظة الاجماع على ادانة العمليات الارهابية وتعيين المسؤولين المباشرين وغير
المباشرين عنها . غير ان ان ما كشفه هدوء ما بعد المجازر هو ان هذا الانقسام
وهذه اللغة المذهبية والعرقية العارية لم يوجدا الارض الخصبة لتحويل حدث بهول
ما جرى الى منطلق لمواجهات اهلية. لغد غادر العراق انصهاره المزعوم في بوتقة
الوحدة الوطنية (والمقابر الجماعية وجهها الاخر)، وباتت تمايزاته اكثر قدره عن
ان تعبر عن نفسها بحرية، وتشكلت لوحة فسيفسائية لم تستقر على مشهد نهائي حتى
الان، ولكن ذلك باق، حتى اشعار اخر، من دون تجاوز الخط الاحمر ومن دون الدخول
في اتون تحويل الشعائر العاشورائية الى عنف ضد اخر يردجا له ان يبدو كمن يجدد
اضطهادا تاريخيا تدعمه ممارسات قمعية دامت عقودا من الزمن لا يعني ذلك ان الوضع
العراقي سليم كما انه لا يعني ان البنية الهشة قادرة على تحمل ضغط مستمر
ومتصاعد. ان الانكسار وارد علما بان مرور (قطوع) الثلاثاء يمكن له عكس ما اراد
الارهابيون، ان يكون وقر مناعة اضافية ان التاسيس على لحظة الوعي ممكن ولكنه
ليس تلقائيا فما زال في الامكان تجنب الكارثة كما ان السقوط فيها ممكن ثمة
حقائق لابد من التسليم بها من اجل التمكن من ادارة الوضع العراقي الجديد، وهو
وضع مازالت معالمة مجهولة بعض الشيء. اولا يجب الحسم، مرة والى الابد بان
زلزالا سياسيا اصب العراق. انه زلزال احدثته حرب وادى الى تداول للسلطة
بالمعنىة الذي شهدناه في لبنان: ليس من حزب الى حزب بل من بينة طائفة الى بينة
طائفة. لقد انتقل مركز الثقل في تقرير لامصير العراقي الى البينة الشيعية. هذه
حقيقة لا عودة عنها. لا مجال لردها والسؤال الجوهري يتناول كيفية التعاطي مع
هذه الحالة غير المسبوقة. ان النموذج اللبناني غير مشجع كثيرا لان (الوافدين
الجدد) عجزوا عن بناء موقع يصلح لا يشكل عمواد فقريا بتوحد البلد، بتنوعه،
حوله. ثانيا ان الاكثرية في العراق هي، في الواقع، اقلية اسلامية. والتغني
بوحدة المسلمين لا يكفي علاجا وبما ان تحول الاكثرية المذهبية الى اكثرية
سياسية جاء نتيجة حرب عدوانية وغير شرعية ومن جانب دولة ذات سياسة مكروهة، فان
ممارساة السلطة قابلة للتحول الى عبء يولد متاعب تدوم فوق التصور. ثالثا كل من
يتماهى مع النظام السابق يخطئ. وكل من يتصرف وكان (طائفة) حسرت السلطة يخطئ. لا
يعني ذلك اسقاط اي حق في رفض الاحتلال الامريكي، زلنه يعني التسليم بان لا عودة
الى الوراء، وبأن المطلوب توظيف العلاقات العربية والاسلامية لمنع الانفراد
الامريكي، والسعي، قدر الامكان وبالسرعة اللازمة، الى الخروج من اسر الحياة
السياسية المبنية على الانتماءات التقليدية. ان تطوير كتلة عربية غير طائفية
ولاشوفينية هو في مصلحة قوى يبدو ، احيانا ان الانغلاق البن لادني يخاطبها.
رابعا ان هزيمة السياسة الاميريكية الحالية ضرورة اقليمية ودولية و.. امريكية
ولكن ذلك لا يجب ان يكون حائلا دون طرح السؤوال التالي: هل تخليع العراق هو
الممر الاجباري الوحيد لهذه الهزيمة؟ وهل في الامكان مطالبة العراقيين بذلك اذا
كان لابديل في الافق؟ قد يكون الجواب ان الهزيمة ممكنة من دون هذا الثمن الفادح
وبشرط توليد توافقات تراعي الممكن في هذه الظروف الصعبة. ان المتاح فعلا هو
التدويل الجدي للازمة والحل. وفي الامكان الضغط من اجل توفير بعد عربي واسلامي
جدي لهذا التدويل. ان ما حصل في العراق يوم الثلاثاء امران: المجازر اولا والرد
عليها، او عدم الرد، ثانيا. ويتساوى الامران في الاهمية لجهة تاشيرهما على
احتمالات لتطورالوضع. البناء على الرد هو طريق الخلاص.
|