بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

موقــع الحـــوزة

 

 

 

الأطروحة المرجعية

حول الاستفتاء الشعبي لانتخاب المؤتمر الدستوري لكتابة الدستور في ضوء المعطيات الدستورية الحديثة

  عرض وتحليل القاضي                                                    عضو اللجنة التحضيرية

  محمد عبد ناصر الساعدي                                                لتحديد آليات وضع الدستور          

      خبير دستوري 

 
 

 

 

بسم أللّة الرحمن الرحيم

تتصدر الفتوى الشرعية ،لآية الله العظمى المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله) ، الموافقة لاجماع علماء المسلمين في العراق والمؤيدة من أطياف المجتمع العراقي الاخرى ، ومن سائر قومياته عربا وكردا وتركمانا وآشوريين ومسيحيين وازديين وغيرهم ، تعيش في عراق المجد والحضارة والصمود مما عبرت عنه الزيارات المتكررة لهذه الطوائف لمقام العلماء الأعلام ، إن هذه الفتوى تتصدر مقام الأولية في اهتمام العراقيين كافة ، وتبنيهم لها سواء على مستوى مجلس الحكم الممثل لمختلف أطيافهم أو على مستوى المجتمع ، بتدارسها ووعيها والدعوة إلى تبنيها ، بوصفها معطية ، بل أنها في واقع الأمر ، من اكبر المعطيات الدستورية في الفقه الدستوري الوضعي المعاصر ، حيث تنص هذه الفتوى الشريفة (على أن أية سلطة لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين مجلس كتابة الدستور كما لاضمان أن يضع هذا المجلس دستورا يطابق المصالح العليا للشعب العراقي ويعبر عن هويته الوطنية التي من ركائزها الأساس الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة ، فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه ، ولا بد أولا من أجراء انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور ، ثم يجري التصويت العام على الدستور الذي يقره هذا المجلس ، وعلى المؤمنين كافة المطالبة بهذا الأمر المهم والمساهمة في إنجازه على اجسن وجه ….) وقد تضمنت هذه الفتوى الشرعية مبدأين واضحين حدد بهما السيد السيستاني آلية وضع الدستور :
1- انتخاب الشعب للجنة الدستورية المسماة بالمؤتمر الدستوري ، المؤهلة لكتابة الدستور .
2- عرض مسودة الدستور مادة مادة على الشعب العراقي بوسيلة الاستفتاء العام ليقول الكلمة الفصل ، في كل مادة بنعم أو لا ، ليكون الدستور كما هو المطلب الديمقراطي المعاصر ، المتوافق مع المطلب الشرعي الإسلامي ، مصداقا حقيقيا لرغبات وطموحات الشعب ، لتثبيت حقوقه وواجباته ووسيلة إسناد السلطة بوصفه مؤسسة دستورية تنتهي بالنتيجة إلى الشعب الذي هو وحده هنا فيصل الحكم على صلاحيات السلطة الحاكمة وعمل أجهزتها والمراقب للشرعية الدستورية حيث تحتوي الوثيقة الدستورية القواعد الأساسية للحكم .
ومما لا شك فيه إن الديمقراطية كوسيلة حياة ، وأسلوب إسناد للسلطة في عراق اليوم يحتاج إلى وعي ديمقراطي شرعي لمجمل الحقوق والواجبات والمتبنيات الدستورية الكاشفة عن الهوية الشرعية للمجتمع ، وعن دور القيادة الحوزوية في مراقبة المشروعية وصيانة روح التشريع الإسلامي ، ذي المرونة التشريعية والقابلية على تلبية حاجات الحياة ، الفردية والاجتماعية حيث لكل واقعة حكم بما يسهم في قيادة المجتمع العراقي ، نحو الفضيلة والاستقلال والعدالة .
إن الحاجة ماسة الآن لبث وعي دستوري على المستويات كافة ، في خطب صلاة الجمعة ، والجماعات ، والمنابر الحسينية ذات التأثير البالغ على المجتمع ، وفي ندوات حوزوية وقانونية يقوم بها مختصون بفهم الدستور ومادته ، ومحتوياته وخصوصا من مثقفي الحوزة الحاصلين على شهادات عليا في القانون والسياسة والاجتماع والاقتصاد ، واعتماد وسائل الأعلام الاخرى ، حيث أن المشهد الإعلامي اليوم في صحافتنا الإسلامية رغم كثافته لم يرتفع إلى مستوى المرحلة المصيرية ، اذ قل أن تجد أبوابا ولو صغيرة تعنى بتعريف الناس بالديمقراطية وآلياتها الانتخابية حيث إن الإسلام لا يتعارض مع الآليات الانتخابية المعاصرة ، لاحتواء فلسفته السياسية على الشورى عند غياب (النص ) بتعيين الحكومة المعصومة كما في وقتنا الحاضر ، وبما أعطى لولي الأمر الشرعي بسد منطقة الفراغ بتشريعات مستمدة من روح الإسلام وباتجاه تنظيم السياسة الشرعية ، لمصلحة البلاد والعباد ، في إطار التنظيم المجتمعي لما يستجد من حالات .
وإذا كنا شهدنا في الماضي أسلوبين لصنع الدستور ذلك الذي تم عن طريق المنحة ، من الملك أو الساطان او التعاقد بين الملك والبرلمان فيما توصلت الحياة الدستورية المعاصرة ، بفعل تأثير أفكار رو سو في العقد الاجتماعي ومونتسكيو في مبدأ الفصل بين السلطات وله ( السلطة تحد من السلطة ) إلى الأساليب الحديثة في صنع الدستور بوسيلتي الجمعية التأسيسية والاستفتاء الدستوري ، فيما وصل التطور الدستوري في الفقه الدستوري الوضعي الحديث متجاوزا أسلوب ( المنحة والعقد ) إلى أسلوب الاستفتاء الدستوري الشعبي .
ولكل طريقة فلسفتها الخاصة إذ تحت تأثير نظرية سيادة الأمة تصبح الأمة وحدها صاحبة الصلاحية والاختصاص بصنع الدستور ، وحيث أن يستحيل عمليا - كما يقول الفقيه الدستوري لافريير - جمع أفراد الأمة على صعيد واحد لوضع الدستور فانه يلزم انتخاب هيئة خاصة بواسطة الشعب تكون مهمتها وضع الدستور نيابة عن الشعب وباسمه وهو ما يسمى بأسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة ، ويعتبر الدستور المصنوع بهذه الوسيلة شرعيا دون انتظار موافقة الشعب عليه وهو ما تتضمنه فكرة الديمقراطية النيابية ، كون النواب الذين وضعوا الدستور يمارسون السيادة باسمه ، ثم ظهرت بعد ذلك طريقة الاستفتاء الشعبي حيث توضع السلطة بيد الشعب ليمارسها مباشرة بنفسه كلما كان ذلك ممكنا ، حيث بالنتيجة يكون الدستور من صنع الشعب لا من صنع نواب عنه ، ولكي يحقق الاستفتاء الشعبي معطياته الثرة ، في هذا المجال ينبغي أن يهيئ للشعب والنخبة المثقفة وقيادته الدينية والاجتماعية والنقابية بالوقوف على وجهات النظر والآراء المختلفة وخلفياتها المنتزعة منها مشاريع الدساتير وأطروحتها الأساسية ، لتكون ملكته في الترجيح والمقارنة وبالتالي حسن الاختيار عند التصويت ، مفيدة ومصيبة للحقيقة ، وهي مسؤولية كبرى للقائمين على عملية الاستفتاء الدستوري ، وهو ما يقتضي عدم السرعة والاستباق ، ومنح الشعب فرصة كافية لاستيعاب هذه المعطية تحقيقا لقاعدة ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) .
أما بالنسبة للأشخاص المرشحين لهذه المهمة الذين يتكون منهم المؤتمر الدستوري فيما بعد ، فيجب أن يكونوا على تأهيل علمي وفني بقدر أو بآخر ، بحيث يشترط فيهم توفر التحصيل الجامعي الأولي في القانون أو السياسة أو الاقتصاد ، لعلاقة هذه الأمور بالدستور و مفاهيمه ، ويقينا أن مثل هذه النخب المثقفة دستوريا والمختارين من الشعب اختيارا واعيا مدروسا ، أقدر علميا وعمليا من جمهور الشعب على عملية وضع مواد الدستور الصحيحة في مكانها المناسب من وثيقة الدستور وأكثر معرفة في صياغة المواد صياغة قانونية واضحة ، لا يشوبها الأشكال والإبهام ، وأكثر شجاعة في جعل الدستور ( جامدا ) لمدى معين في الأقل لتلافي التعديلات اللاحقة ، إلا في حالة تغير الظروف تغيرا جديا ونوعيا وبما يحكم ذلك من نصوص في الدستور تعين الطريقة المنصوص عليها بالتعديل وهي ما يعطيها الفقهاء الدستوريون مكانا لائقا من اهتمامهم وأطاريحهم الدستورية في إطار الفقه الدستوري الحديث وهي بالذات ما تلتقي مع الأطروحة الشرعية للسيد السيستاني دام ظله الشريف والمجمع عليها من المجتهدين الكبار في النجف الاشرف وغيرها من مدن العراق كافة وهذا يقتضي أولا إجراء إحصاء سكاني جديد وإجراء انتخابات شعبية لانتخاب أعضاء اللجنة ، ومن ثم مباشرة اللجنة في كتابة الدستور و وصياغته ثم عرض مشروعه على الشعب بوسيلة الاستفتاء الشعبي ، لينال رضا الشعب العراقي ، في حفظ الخدور والثغور وحماية الأرض والعرض ، و وضع الدولة العراقية في قائمة الدول الحضارية القائمة والتي لها إسهام ملحو ظ في المجتمع الدولي.

 

 

 

الصفحة الرئيسية